مصطفى صادق الرافعي

57

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

والتحمّل لها ؛ فكان صنيعهم صلة بين اللغة وبين العلوم التي أفرغت عليها من بعد ، لأن لغة من اللغات لا تحيا ولا تموت إلا بحسب اتصالها بمادة العلم الذي به حياة أهلها وموتهم ، وهي لا يلبسها العلم إلا إذا كانت قشيبة محكمة ، لا تضيق عن أنواعه وفروعه ولا يخلقها الاستعمال . وإنما شباب هذه الحياة اللغوية أن تكون اللغة لينة شديدة كما يكون كمال الإنسان بقوة الخلق والخلق : وهذا وجه لو لم يقمها عليه القرآن لما استقامت أبدا ، ولا وقفت على طريقه ، ولا تلاقى فيه آخرها بأولها ، لما أومأنا إليه . وسنزيد هذا المعنى بيانا إن شاء اللّه . ويبقى وجه آخر من تأثير القرآن في اللغة ، وهو إقامة أدائها على الوجه الذي نطقوا به ، وتيسير ذلك لأهلها في كل عصر ، وإن ضعفت الأصول واضطربت الفروع ، بحيث لولا هذا الكتاب الكريم لما وجد على الأرض أسود ولا أحمر يعرف اليوم ولا قبل اليوم كيف كانت تنطق العرب بألسنتها وكيف تقيم أحرفها وتحقق مخارجها . وهذا أمر يكون في ذهابه ذهاب البيان العربي جملته أو عامته ، لأن مبناه على أجراس الحروف واتساقها ، ومداره على الوجه الذي تؤدى به الألفاظ ، وأنت قد ترى الضعفاء الذين لا يحكمون منطقهم وما يصنعون بالأساليب المدمجة والفقر المتوثّقة إذا هم تعاطوها فنطقوا بها ، حتى ليصير معهم أجود الكلام في جزالته وقوة أسره وصلابة معجمه إلى الفسولة والضعف ، وإلى البرد والغثاثة ، كأنما يموت في ألسنتهم موتا لا رحمة فيه . . . لا جرم أن اللغة التي يذهب منها ذلك لا ينطق بها إلا على الحكاية السقيمة ، ولا جرم أن بعض السقم يدفع إلى بعضه ، وأن جملة ذلك تفضي إلى الموت . فهذه معان سامية غريبة انفردت بها العربية ، ولولا القرآن ما كانت فيها وما ينبغي لها بكلام غيره ؛ إذ ليس في غيره ما يبلغ أن يكون حدّا للكمال اللغوي في الفطرة ، فيتعلق بمثل أثره في العرب وأحوالهم وتاريخهم ، أو يقع من ذلك على مقدار مقسوم ، أو يكون له فيه حق معلوم . قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً . صدق اللّه العظيم ، ومن أصدق من اللّه قيلا ؟ . الجنسية العربية في القرآن لك بعض ما تناصرت عليه الأدلة واجتمعت على صحته ، من تأثير القرآن في اللغة وما أصلح اللّه لأهلها في هذه البقية ، حفظا لكتابه ، وإظهارا لوجه من وجوه